تخيل معي الإنسان القديم يمارس حياته الطبيعية في السافانا الإفريقية. هذا الإنسان يعيش بحالة تأهب دائمة لتفادي الحيوانات المفترسة إذ أن أي خطئ قد يعني افتراسه من قبل أحد الحيوانات الجائعة.
حالة الحذر الدائم هذه، مهمة جداً في تطور الإنسان إذ أنها تشكل آلية دفاعية ساعدته على البقاء. اليقظة المستمرة مهمة في رصد أي تهديد أو خطر قد يكون محدق. وفي حال وُجد هذا الخطر فعلاً يجد الإنسان نفسه أمام خيارين. إما الهرب أو الهجوم الدفاعي و في كلا الحالتي يجد الجسم نفسه بحاجة جرعات كبيرة من الطاقة وبشكل سريع شبيهة بما نشاهده في أفلام الخيال (توربو بووست). في هذه الحالة يقوم الجسم فعلاً بخطوات استثنائية في استقدام جرعات كبيرة من الطاقة لاستخدامها في الدفاع عن نفسه.
في حالة الخطر يتعامل الدماغ مع كل ماهو مجهول على أنه ظرف “خطر” على أساس قاعدة Better safe than sorry و يرسل برسائل هرمونية مستعجلة إلى الغدة الكظرية عن طريق افراز هرمون اسمه ACTH. بمجرد ارتفاع نسبة هذا الهرمون في الدم يعرف فريق الغدة الكظرية أن عليهم العمل بنشاط أكثر لأن الجسم بحاجة لحرق كميات كبيرة من السكر. يبدأ فريق الغدة الكظرية فوراً بانتاج هرمون أسمه كورتيزول و هو مسؤؤل بشكل أساسي على استقلاب النشويات المخزنة في الجسم إلى سكريات (وقود) لكي تستطيع خلايا الجسم من حرق السكر و القيام بجميع الأعمال الموكلة إليها من قبل الدماغ. نعم هذه الألية لها فوائد بقائية كبيرة وهي سبب وجودنا اليوم ولكن….
الضغط النفسي الذي نشعر به اليوم بشكل مستمر هو نتيجة لهذه الآلية لكن ضمن سياق بيئي مختلف. نحن اليوم لا نعاني من خطر الإفتراس من حيوان جائع أو خطر التعرض لظواهر طبيعية لا نعرف تفسيرها. لكننا نعاني من الديون و الالتزامات المادية و مصاعب الحياة بشكل عام.
نتذكر أننا لم ندفع قسط الهاتف أو اننا لم نسدد فاتورة الكهرباء. أو نسينا واجب المدرسة. نحن نعيش ضمن هيكلية اجتماعية تجعلنا في حالة تأهب دائمة. نحن في حالة هروب من الفاتورات المفترسة بشكل مستمر. هذه الحالة من الضغط النفسي الدائم و حالة الرعب المتواترة تٌدخل الجسم في دائرة سلبية مغلقة يكون لها تأثيرات تزيد من الحالة سوءاً و لهذا أغلبنا تجد نفسها عاجزة عن ايجاد الحلول للخروج من هذه الدوامة النفسية.
نحن في حالة “القتال أو الهروب” بشكل مستمر دون أي فائدة حقيقية. صحيح أن المكانيكية الني شرحتها كانت مهمة جداً في بقائنا إلى أنها أصبحت تشكل لنا عبئ و ضعط نفسي كبير.
نعم أنت بحالة ضغط نفسي شبه دائمة إذ أن هذه الألية “القتال أو الهروب” لا تتعلق فقط في حالات الفزع . أنت تفعل هذه المكيانيكية في حال تذكرت أنك لم تكمل واجبك المدرسي، أو حين يعلق لك أحد اصدقائك الفيسبوكيين بتعليق لا يعجبك، أو حين تريد أن تركب الباص و لا تجد مقعد مناسب، أو حين تلعب ألعاب الفيديو، أو حين ينادي اسمك أستاذ الجامعة لكي تقدم عرضك التقديمي أو حين يخسر فريقك المفضل في جولة رياضية و هكذا.
نحن لم نتطور لنعيش بهذه الطريقة. تطورنا للعيش في الطبيعة و لدينا آليات دفاعية ضرورية فقط في حالات الخطر. اليوم نحن بخطر دائم دون أن نشعر و لذلك نشعر بالخمول و نأكل الأطعمة العالية في السعرات الحرارية. هذا يؤدي إلى تدهور حالتنا الصحية بشكل عام و اضرار بوظائف الجسم و أمراض هي في دورها تسبب أثار سلبية اضافية. هذا التراكم هو سبب صغطنا النفسي المتواصل.
مهما فعلنا فإن هذه الدائرة الكيمائية مستمرة في درجات متفاوته:
ضغط نفسي _ افراز كورتيزول _تحويل سكر _ افراز أنسولين _تحويل إلى دهون _ تخزين دهون _ افراز لبتين _الشعور بالجوع _ الشعور بالخمول _ طعام _ ضغط نفسي _ كورتيزول _ تحويل إلى سكر و هكذا…. طوال اليوم
لهذا السبب نحن نحب أن نأخذ اجازاتنا بعيداً عن ضغوط المدينة و أقرب إلى الطبيعة حيث نستطيع ممارسة حيانتا كما صممها التطور.
المصدر: علومي